كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وللمؤرخين كلام في العداوة بين موسى وقارون، قالوا: حينما سأل موسى عليه السلام ربه أنْ يشدَّ عضده بأخيه هارون، أجابه سبحانه: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى} [طه: 36] وليست هذه أول مرة بل {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى} [طه: 37] وأرسل الله معه أخاه هارون؛ لأنه أفصح من موسى لسانًا، وجعلهما شريكين في الرسالة، وخاطبهما معًا {اذهبآ} [طه: 43] ليؤكد أنَّ الرسالة ليست من باطن موسى.
وإنْ رأيت الخطاب في القرآن لموسى بمفرده، فاعلم أن هارون مُلاحَظ فيه، ومن ذلك لما دعا موسى على قوم فرعون، فقال: {رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حتى يَرَوُا العذاب الأليم} [يونس: 88].
فالذي دعا موسى، ومع ذلك لما أجابه ربه قال: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] وهذا دليل على أن هارون لم يكن رسولًا من باطن موسى، إنما من الحق سبحانه، وأيضًا دليل على أن المؤمِّن على الدعاء كالداعي، فكان موسى يدعو وهارون يقول: آمين.
ولما ذهب موسى لميقات ربه قال لأخيه {اخلفني فِي قَوْمِي} [الأعراف: 142] وفي غيبة موسى حدثتْ مسألة العجل، وغضب موسى من أخيه هارون، فلما هدأتْ بينهما الأمور حدث تخصيص في رسالة كل منهما، فأعطى هارون الحبورة والحَبْر: هو العالم الذي يُعَد مرجعًا، كما أُعطِي القربان أي: التقرب إلى الله. وعندها غضب قارون؛ لأنه خرج من هذه المسألة صَفْر اليدين، وامتاز عنه أولاد عمومته بالرسالة والمنزلة، رغم ما كان عنده من أموال كثيرة. ثم إن موسى- عليه السلام- طلب من قارون زكاة ماله، دينار في كل ألف دينار، ودرهم في كل ألف درهم، فرفض قارون وامتنع، بل وألَّبَ الناس ضد موسى- عليه السلام. ثم دبَّر له فضيحة؛ ليصرف الناس عنه، حيث أغرى امرأة بغيًا فأعطاها طِسْتًا بالذهب، على أن تدَّعي على موسى وتتهمه، فجاء موسى عليه السلام ليخطب في الناس، ويُبيِّن لهم الأحكام فقال: مَنْ يسرق نقطع يده، ومَنْ يزني نجلده إن كان غير محصن، ونرجمه إنْ كان محصنًا، فقام له قارون وقال: فإن كنتَ أنت يا موسى؟ فقال: وإنْ كنتُ أنا. وهنا قامت المرأة البغيُّ وقالت: هو راودني عن نفسي، فقال لها: والذي فلق البحر لَتقُولِنّ الصدق فارتعدتْ المرأة، واعترفت بما دبَّره قارون، فانفضح أمره وبدأت العداوة بينه وبين موسى عليه السلام. وبدأ قارون في البَغْي والطغيان حتى أخذه الله، وقال في حقه هذه الآيات: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى فبغى عَلَيْهِمْ} [القصص: 76].
والبغي: تجاوز الحدّ في الظلم، خاصة وقد كان عنده من المال ما يُعينه على الظلم، وما يُسخِّر به الناس لخدمة أهدافه، وكأنه يمثل مركز قوة بين قومه، والبغي إما بالاستيلاء على حقوق الغير، أو باحتقارهم وازدرائهم، وإما بالبطر.
ثم يذكر حيثية هذا البغي: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة} [القصص: 76]. كلمة {مفاتح} كما في قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب} [الأنعام: 59].
ولو قلنا: مفاتح جمع، فما مفردها؟ لا تقُلْ مفتاح؛ لأن مفتاح جمعها مفاتيح، أما مفاتح، فمفردها مَفْتح وهي آلة الفتح كالمفتاح، وهي على وزن مبرد فالمعنى: أن مفاتيح خزائنه لو حملتْها عصبة تنوء بها، وهذه كناية عن كثرة أمواله، نقول: ناء به الحِمْل، أو ناء بالحمل، إذا ثقُل عليه، ونحن لا نميز الخفيف من الثقيل بالعين أو اللمس أو الشم إنما لابد من حملة للإحساس بوزنه.
وقلنا: إن هذه الحاسة هي حاسة العَضَل، فالحملْ الثقيل يُجهد العضلة، فتشعر بالثقل، على خلاف على حملتَ شيئًا خفيفًا لا تكاد تشعر بوزنه لخفْته، ولو حاولتَ أنْ تجمع أوزانًا في حيز ضيق كحقيبة هاندباج فإن الثقل يفضحك؛ لأنك تنوء به.
والعُصْبة: هم القوم الذين يتعصَّبون لمبدأ من المبادئ بدون هَوىً بينهم، ومنه قول إخوة يوسف: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف: 8].
إنها كلمة حق خرجت من أفواههم دون قصد منهم؛ لأنهم فعلًا كانوا قوةً متعصبين بعضهم لبعض في مواجهة يوسف وأخيه، وكانا صغيرين لا قوةَ لهما ولا شوكة، وكانوا جميعًا من أم واحدة، ويوسف وأخوه من أم أخرى، فطبيعي أن يميل قلب يعقوب عليه السلام مع الضعيف.
وقالوا: العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقد حددهم القرآن بقوله: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} [يوسف: 4] وهم أخوته ومنهم بنيامين {والشمس والقمر} [يوسف: 4] أي: أباه وأمه. فمن هاتين الآيتين نستطيع تحديد العصبة.
وبهذا التفكير الذي يقوم على ضم الآيات بعضها إلى بعض حَلَّ الإمام علي- رضي الله عنه- مسألة تُعدُّ معضلة عند البعض، حيث جاءه مَنْ يقول له: تزوجت امرأة وولدتْ بعد ستة أشهر، ومعلوم أن المرأة تلد لتسعة أشهر، فلابد أنها حملت قبل أنْ تتزوج.
فقال الإمام علي: أقل الحمل ستة أشهر، فقال السائل: ومن أين تأخذها يا أبا الحسن؟ قال: نأخذها من قوله تعالى: {وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] وفي آية أخرى قال سبحانه: {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233].
يعني: أربعة وعشرين شهرًا، وبطرح الأربعة والعشرين شهرًا من الثلاثين يكون الناتج ستة أشهر، هي أقل مدة للحمل. وهكذا تتكاتف آيات القرآن، ويكمل بعضها بعضًا، ومن الخطأ أن نأخذ كل آية على حدة، ونفصلها عن غيرها في ذات الموضوع.
ثم يقول سبحانه: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين} [القصص: 76] والنهي هنا عن الفرح المحظور، فالفرح: انبساط النفس لأمر يسرُّ الإنسان، وفَرْق بين أمر يسرُّك؛ لأنه يُمتعك، وأمر يسرُّك لأنه ينفعك، فالمتعة غير المنفعة.
فمثلًا، مريض السكر قد يأكل المواد السكرية لأنها تُحدِث له متعة، مع أنها مضرة بالنسبة له، إذن: فالفرح ينبغي أن يكون بالشيء النافع، لأن الله تعالى لم يجعل المتعة إلا في النافع.
فحينما يقولون له {لاَ تَفْرَحْ} [القصص: 76] أي: فرح المتعة، وإنما الفرح بالشيء النافع، ولو لم تكن فيه متعة كالذي يتناول الدواء المر الذي يعود عليه بالشفاء، لذلك يقول تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58].
ويقول تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله} [الروم: 4-5] فسماه الله فرحًا؛ لأنه فرح بشيء نافع؛ لأن انتصار الدعوة يعني أن مبدءك الذي آمنتَ به، وحاربت من أجله سيسيطر وسيعود عليك وعلى العالم بالنفع.
ومن فرح المتعة المحظور ما حكاه القرآن: {فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله} [التوبة: 81] هذا هو فرح المتعة؛ لأنهم كارهون لرسول الله، رافضون للخروج معه، ويسرُّهم قعودهم، وتركه يخرج للقتال وحده.
فقوله تعالى: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين} [القصص: 76] أي: فرح المتعة الذي لا ينظر إلى مَغبّة الأشياء وعواقبها، فشارب الخمر يشربها لما لها من متعة مؤقتة، لكن يتبعها ضرر بالغ، ونسمع الآن مَنْ يقول عن الرقص مثلًا؛ إنه فن جميل وفن رَاقٍ؛ لأنه يجد فيه متعة ما، لكن شرط الفن الجميل الراقي أن يظل جميلًا، لكن أنْ ينقلب بعد ذلك إلى قُبْح ويُورِث قبحًا، كما يحدث في الرقص، فلا يُعَدُّ جميلًا.
ثم يقول الحق سبحانه: {وابتغ فِيمَآ آتَاكَ}. معنى {وابتغ} [القصص: 77] أي: اطلب {فِيمَآ آتَاكَ الله} [القصص: 77] بما أنعم عليك من الرزق {الدار الآخرة} [القصص: 77] لأنك إن ابتغيت برزق الله لك الحياة الدنيا، فسوف يَفْنى معك في الدنيا، لكن إنْ نقلتَهُ للآخرة لأبقيتَ عليه نعيمًا دائمًا لا يزول.
وحين تحب نعيم الدنيا وتحتضنه وتتشبث به، فاعلم أن دنياك لن تمهلك، فإما أنْ تفوت هذا النعيمَ بالموت، أو يفوتك هو حين تفتقر. إذن: إن كنت عاشقًا ومُحبًا للمال ولبقائه في حَوْزتك، فانقله إلى الدار الباقية، ليظل في حضنك دائمًا نعيمًا باقيًا لا يفارقك، فسارع إذن واجعله يسبقك إلى الآخرة.
وفي الحديث الشريف لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة عن الشاة التي أُهديَتْ له قالت بعد أن تصدقت بها: ذهبتْ إلا كتفها، فقال صلى الله عليه وسلم: «بل بقيتْ إلا كتفها».
ويقول صلى الله عليه وسلم: «ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فافنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقْتَ فأبقيْتَ».
لذلك كان أولو العزم حين يدخل على أحدهم سائل يسأله، يقول له: مرحبًا بمَنْ جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة.
والإمام علي- رضي الله عنه- جاءه رجل يسأله: أأنا من أهل الدنيا، أم من أهل الآخرة؟ فقال: جواب هذا السؤال ليس عندي، بل عندك أنت، وأنت الحكم في هذه المسألة. فإنْ دخل عليك مَنْ تعودت أنه يعطيك، ودخل عليك مَنْ تعودت أنْ يأخذ منك، فإنْ كنتَ تبشُّ لمن يعطي، فأنت من أهل الدنيا، وإنْ كنتَ تبشُّ لمَنْ يسألك ويأخذ منك، فأنت من أهل الآخرة، لأن الإنسان يحب من يعمر له ما يحب، فإنْ كنتَ محبًا للدنيا فيسعدك مَنْ يعطيك، وإنْ كنتَ محبًا للآخرة فيسعدك مَنْ يأخذ منك.
وإذا كان ربنا- عز وجل- يوصينا بأن نبتغي الآخرة، فهذا لا يعني أن نترك الدنيا: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا} [القصص: 77] لكن هذه الآية يأخذها البعض دليلًا على الانغماس في الدنيا ومتعها.
وحين نتأمل {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا} [القصص: 77] نفهم أن العاقل كان يجب عليه أنْ ينظر إلى الدنيا على أنها لا تستحق الاهتمام، لكن ربه لفته إليها ليأخذ بشيء منها تقتضيه حركة حياته. فالمعنى: كان ينبغي علىَّ أنْ أنساها فذكِّرني الله بها.
ولأهل المعرفة في هذه المسألة مَلْمح دقيق: يقولون: نصيبك من الشيء ما ينالك منه، لا عن مفارقة إنما عن ملازمة ودوام، وعلى هذا فنصيبك من الدنيا هو الحسنة التي تبقى لك، وتظل معك، وتصحبك بعد الدنيا إلى الآخرة، فكأن نصيبك من الدنيا يصُبُّ في نصيبك من الآخرة، فتخدم دنياك آخرتك.
أو: يكون المعنى موجهًا للبخيل الممسك على نفسه، فيُذكِّره ربه {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا} [القصص: 77] يعني: خُذْ منها القَدْر الذي يعينك على أمر الآخرة، لذلك قالوا عن الدنيا: هي أهم من أن تُنْسى- لأنها الوسيلة إلى الآخرة- وأتفه من أن تكون غاية؛ لأن بعدها غاية أخرى وأبقى وأدوم.
ثم يقول سبحانه: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ} [القصص: 77] الحق سبحانه يريد أنْ يتخلَّق خَلْقه بخُلُقه، كما جاء في الأثر «تخلقوا بأخلاق الله».
فكما أحسن الله إليك أحسِنْ إلى الناس، وكما تحب أنْ يغفر الله لك، اغفر لغيرك إساءته {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ} [النور: 22].
وما دام ربك يعطيك، فعليك أنْ تعطي دون مخالفة الفقر؛ لأن الله تعالى هو الذي استدعاك للوجود؛ لذلك تكفَّل بنفقتك وتربيتك ورعايتك. لذلك حين ترى العاجز عن الكسب- وقد جعله ربه على هذه الحال لحكمة- حين يمد يده إليك، فاعلم أنه يمدُّها لله، وأنك مناول عن الله تعالى. ونلحظ هذا المعنى في قوله تعالى: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا} [الحديد: 11].
فسمَّى الصدقة قرضًا لله، لماذا؟ لأن هذا العبد عبدي، مسئول مني أن أرزقه، وقد ابتليتُه لحكمة عندي- حتى لا يظنّ أحد أن المسألة ذاتية فيه، فيعتبر به غيره- فمَنْ إذن يقرضني لأسُدَّ حاجة أخيكم؟ وقال تعالى: {يُقْرِضُ الله} [الحديد: 11] مع أنه سبحانه الواهب؛ لأنه أراد أن يحترم ملكيتك، وأن يحترم انتفاعك، وسَعْيك. كما لو أراد والد أنْ يُجري لأحد أبنائه عملية جراحية مثلًا وهو فقير وإخوته أغنياء، فيقول لأولاده: اقرضوني من أموالكم لأجري الجراحة لأخيكم، وسوف أردُّ عليكم هذا القرض.
وفي الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنته فاطمة- رضوان الله عليها- فوجدها تجلو درهمًا فسألها: «ماذا تصنعين به»؟ قالت: أجلوه، قال: لِمَ؟ قالت: لأني نويت أن أتصدق به، وأعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير.
إذن: فالمال مال الله، وأنت مناول عن الله تعالى.
وقد وقف بعض المستشرقين عند هذه المسألة؛ لأنهم يقرأون الآيات والأحاديث مجرد قراءة سطحية غير واعية، فيتوهمون أنها متضاربة. فقالوا هنا: الله تعالى يقول: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [الحديد: 11].
وقال في موضع آخر: {مَن جَاءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] وفي الحديث الشريف: «مكتوب على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر».
فظاهر الحديث يختلف مع الآية الكريمة- هذا في نظرهم- لأنهم لا يملكون المَلَكة العربية في استقبال البيان القرآني. وبتأمل الآيات والأحاديث نجد اتفاقهما على أن الحسنة أو الصدقة بعشر أمثالها، فالخلاف- ظاهرًا- في قوله تعالى: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [الحديد: 11] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والقرض بثمانية عشر». وليس بينهما اختلاف، فساعة تصدَّق الإنسان بدرهم مثلًا أعطاه الله عشرة منها بدرهم الذي تصدَّق به، فكأنه أعطاه تسعة، فحين تُضَاعف التسعة، تصبح ثمانية عشرة.
ثم يقول سبحانه: {وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين} [القصص: 77] والفساد يأتي من الخروج عن منهج الله، فإنْ غيَّرت فيه فقد أفسدتَ، فالفساد كما يكون في المادة يكون في المنهج، وفي المعنويات، يقول سبحانه: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: 56].
فالحق سبحانه خلق كل شيء على هيئة الصلاح لإسعاد خلقه، فلا تعمد إليه أنت فتفسده، ومن هذا الصلاح المنهج، بل المنهج وهو قوام الحياة المعنوية- أَوْلَى من قِوام الحياة المادية.
إذن: فلتكُنْ مؤدبًا مع الكون من حولك، فإذا لم تستطع أنْ تزيده حُسْنًا فلا أقلَّ من أنْ تدعه كما هو دون أنْ تفسده، وضربنا لذلك مثلًا ببئر الماء قد تعمد إليه فتطمسه، وقد تبني حوله سورًا يحميه.
هذه مسائل خمْس توجَّه بها قوم قارون لنصحه بها، منها الأمر، ومنها النهي، ولابد أنهم وجدوا منه ما يناقضها، لابد أنهم وجدوه بَطِرًا أَشِرًا مغرورًا بماله، فقالوا له: {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين} [القصص: 76].
ووجدوه قد نسي نصيبه من الدنيا فَلم يتزود منها للآخرة، فقالوا له {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا} [القصص: 77]، ووجدوه يضنُّ على نفسه فلا ينفق في الخير، فقالوا له: {وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ} [القصص: 77] يعني: عَدِّ نعمتك إلى الغير، كما تعدَّت نعمة الله إليك. وهكذا ما أمروه أمرًا، ولا نهوْهُ نهيًا إلا وهو مخالف له، وإلا لَمَا أمروه ولَمَا نهوْهُ.
ثم يقول قارون ردًا على هذه المسائل الخمس التي توجَّه بها قومه إليه: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ}.
لكن ما وجه هذا الردّ {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي} [القصص: 78] على المطلوبات الخمسة التي طلبوها منه؟ كأنه يقول لهم: لا دخلَ لكم هذه الأمور؛ لأن الذي أعطاني المال علم أنني أهْلٌ له، وأنني استحقه؛ لذلك ائتمنني عليه، ولسْتُ في حاجة لنصيحتكم.
أو يكون المعنى {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي} [القصص: 78] يعني: بمجهودي ومزاولة الأعمال التي تُغِل علىَّ هذا المال، وكان قارون مشهورًا بحُسْن الصوت في قراءة التوراة، وكان حافظًا لها. وكان حسن الصورة، وعلى درجة عالية بمعرفة أحكام التوراة.
فعجيب أن يكون عنده كل هذا العلم ويقول: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي} [القصص: 78] ولا يعلم أن الله قد أهلك من قبله قرونًا كانوا أشدَّ منه قوة، وأكثر منه مالًا وعددًا.
{أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا} [القصص: 78] فكيف فاتتْه هذه المسألة مع عِلْمه بالتوراة؟
ومعنى {أَوَلَمْ يَعْلَمْ} [القصص: 78] أي: من ضمن ما علم {مِنَ القرون} [القصص: 78] أناس كانوا أكثر منه مالًا، وقد أخذهم الله وهم أمم لا أفراد، وكلمة {جَمْعًا} [القصص: 78] يجوز أن تكون مصدرًا يعني: جمع المال، أو: اسم للجماعة أي: له عُصْبة.
وبعد ذلك قال سبحانه: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون} [القصص: 78] وعلامة أنهم لا يُسألون أن الله تعالى يأخذهم دون إنذار يأخذهم على غِرَّة، فلن يقول لقارون: أنت فعلت كذا وكذا، وسأفعل بك كذا وكذا، وأخسف بك وبدارك الأرض، فأفعالك معلومة لك، والحيثيات السابقة كفيلة بأنْ يُفاجئك العذاب.
وهكذا يتوقع أنْ يأتيه الخَسْف والعذاب في أيِّ وقت، إذن: لن نسألهم، ولن نُجري معهم تحقيقًا كتحقيق النيابة أو البوليس، حيث لا فائدة من سؤالهم، وليس لهم عندنا إلا العقاب.
وبعد هذا كله وبعد أنْ نصحه قومه ما يزال قارون متغطرسًا بَطِرًا لم يَرْعَو ولم يرتدع، بل ظل فََرِِحًا باغيًا مفسدًا، ويحكي عنه القرآن: {فَخَرَجَ على قَوْمِهِ}. اهـ.